جان لوئيس بوركهارت
268
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
والكرنك بصعيد مصر ، ومن هنا سميت الأقصر بالحمدية ، وهو اسمها الأشهر عند أهل الصعيد . وتتطاحن القبائل المختلفة لأسباب عدة أهمها الثأر للدم ، وهو ثأر يتعرض له الأقربون من ذوى الرحم كما جرت عادة البدو الشرقيين ، ولكن يخيل إلىّ أن العرب هنا لا يراعون هذه الفوارق الدقيقة التي فصلت فيها القول عند وصفى للبدو . ودية الدم عند الجعليين ألف ثوب دمور ، وهي تعادل اليوم ثلاثمائة ريال إسبانى أو أربعمائة ، ويؤديها القاتل على أقساط إذا رضى بها أهل القتيل ، ورضاؤهم لا يعرضهم لكثير من التشهير والتعيير كما يعرض أمثالهم في شبه جزيرة العرب . وهم يحتفظون بحساب منظم للدية ، ويقيدون فيه للقاتل أو أهله ما يؤدى من دينه لأهل القتيل مهما قلّ أو تفه - حتى الخبز القليل أو حفنات الذرة . وقد تمضى السنون الطوال قبل أن يسدّد الدين كله ، ولكن الفريقين يقضيان هذه الفترة متصافيين . وفي العرب الجعليين غدر وخيانة ، ولكنها خلق العرب جميعا في هذه البلاد . ولم يبلغ بهم الانحلال والتنكر لماضيهم مبلغا ينسيهم أن الوفاء أول فضائل العرب . وطالما سمعت الجعليين يتشدقون بوفائهم لمن ارتبطوا وإياهم بعهد الصداقة والإخاء ، ولكن رأى الناس جملة فيهم لا يقرهم على هذه الدعوى ولا ينسب لهم هذا الخلق الكريم « * » . وأعدى أعداء هؤلاء العرب قبيلتان هما الشكرية والكواهلة ( وهما اسمان عربيان ) ، وتنزل القبيلتان الأرض في جنوب الجعليين وجنوبهم الغربى ، ويغير أفرادهما على الجعليين المرة بعد المرة وينهبون بلادهم ويخطفون ماشيتهم . ويسكن بعض الشكرية ضفاف النيل قرب أبو حراز ، ولكن أكثرهم يعيشون متبدين في الصحراء الشرقية . أما الكواهلة فينتشرون حتى إقليم دندر ، وينزل
--> ( * ) مات من الجعليين شيخ في شندى ، فرأيت النساء من أهله يجبن أهم الشوارع والطرقات معولات مولولات وقد كدن يتجردن من الثياب إلا أسمالا بالية ، أما رؤوسهن ووجوههن وصدورهن فيحثون عليها التراب حتى أصبح منظرهن منكرا أشد النكر ، وكانت تمشى معهن صواحبهن ترددن العويل وتعقدن الأيدي . وفي العشية نحرت الأبقار وأرسلت أطباق صغيرة من لحمها لجميع التجار النزلاء .